مشروعٌ يتتبّع تاريخَ الأفكار والمسائل في التراث الإسلاميّ، عبر قاعدةٍ واحدةٍ قابلةٍ للبحث والملاحة، يصير فيها كلُّ عالمٍ ومذهبٍ وكتابٍ مركزًا يُنظَر منه إلى الخلاف كلِّه، وكلُّ قولٍ مسندًا إلى قائله بنصِّه وموضعه.
تحويلُ تراث الخلاف في أصول الفقه وعلم الكلام — وهو تراثٌ مبثوثٌ في آلاف المجلّدات، متناثرُ النقول، مضطربُ النسبة — إلى قاعدةٍ واحدةٍ مُسنَدةٍ قابلةٍ للبحث، تُرصَد فيها كلُّ مسألةٍ خلافيّةٍ بأقوالها المتمايزة، ويُنسَب كلُّ قولٍ إلى قائله بنصٍّ حرفيٍّ وموضعٍ من الجزء والصفحة.
ولا يقف عند جمع الأقوال، بل يعيد تمثيلَها على عقدة القول حتى يصير الاتّفاقُ والخلافُ بين أيّ فاعلَين أمرًا محسوبًا لا مستنبَطًا بالحدس، وحتى يصير كلُّ عالمٍ أو مذهبٍ أو كتابٍ مركزًا يُدار عليه النظر.
البحثُ في المدوّنة التراثيّة إنّما يلتقط الألفاظ لا المواقف. فمن أراد أن يتتبّع مسألةً واحدةً — كخلق الأعمال أو خبر الواحد — عبر المعتزلة والأشاعرة والماتريديّة والزيديّة والإماميّة والحنفيّة، ومن القرن الثالث إلى الثامن، لزمه أن يقلّب مئاتِ الكتب بيده، وأن يجمع النقولَ المتفرّقة، وأن يميّز الصحيحَ من المنحول في النسبة.
يُمثَّل التراثُ لا نصًّا متّصلًا يُقرأ، بل شبكةً من أربعة أطراف: المسألةُ، والفاعلُ (شخصًا أو مذهبًا أو كتابًا)، والقولُ الذي اختاره، والإحالةُ التي تسنده.
٧٥٠٦ عقدةً جامعة
٢٦٠٩ بين عَلَمٍ وفرقة
٢٦٤٤٦ موقفًا
بالجزء والصفحة، ولا موقفَ بلا إحالة
وبهذا التمثيل يصير قلبُ المركز آليًّا: فحين نجعل القاضيَ عبد الجبّار أو الأشاعرةَ مركزًا، تُشتقّ علاقةُ كلِّ فاعلٍ آخرَ به — موافقةً أو مخالفةً أو تفصيلًا — من اشتراكهما في عقدة القول نفسِها. فيرى القارئُ الخريطةَ من أيّ زاويةٍ شاء، لا من زاوية كتابٍ واحدٍ فُرِض مركزًا.
لا يقتصر المشروعُ على كتابٍ واحدٍ ولا على علمٍ واحد؛ فالمستوعبُ نموذجٌ أوّليٌّ نُثبِت به الفكرة، ثمّ يمتدّ العملُ إلى علوم التراث الإسلاميّ: الفقهِ وأصولِه، والكلامِ والفرق، والفلسفةِ والمنطق، وعلومِ العربية — على اختلاف الفرق والمذاهب من معتزلةٍ وأشاعرةٍ وماتريديّةٍ وزيديّةٍ وإماميّةٍ وحنفيّةٍ وغيرهم، ومن أقدم النصوص إلى متأخّرها — يُبنى قرنًا قرنًا على ما تيسّر من نصوصٍ يقارب ثمانيةَ عشرَ ألفَ كتاب.
فالأطلسُ في صورته التامّة خريطةٌ زمنيّةٌ لا جدولُ خلافٍ ساكن: تُرى فيها ولادةُ القول، وانتقالُه بين المدارس، وموتُه أو بقاؤه على طول القرون.
يبلغ في دقائقَ ما كان يبلغه في شهور، إذ يقف على شجرة مسألةٍ بأقوالها وقائليها وإحالاتها مجموعةً في موضعٍ واحد.
يجد أداةً لضبط النسبة وكشف المنحول، فلا يُثبت قولًا لصاحبه إلا بشاهده.
يرى المشهدَ كلَّه قبل أن يغرق في تفاصيله.
يظفر بتوزيع الأقوال على القائلين، وشبكاتِ التأثّر بينهم، وتسلسلِ الآراء في الزمان.
أخصُّ ما يصنعه نقلُ تاريخ الأفكار الإسلاميّة من طورٍ انطباعيّ إلى طورٍ مُسنَدٍ يُمكن قياسُه: فبدل أن نقول «المشهور أنّ المعتزلة على كذا»، يُعرَض توزيعُ القائلين فعلًا، كلٌّ بنصّه وموضعه — فيُكشف المنحولُ من النسب، ويُحدَّد متى ظهر القولُ أوّلَ مرّةٍ وكيف سرى، ويُميَّز الأصيلُ في المذهب من الدخيل عليه.
ويعيد الأطلسُ المركزَ إلى أصحابه: فتاريخُ الكلام كُتِب في الغالب من زاوية المنتصِر؛ وحين نجعل المعتزليَّ والزيديَّ والإماميَّ مركزًا كاملَ المعالم، نردّ إلى تلك المدارس صوتَها، ونصحّح ما لحق تصويرَها من اختزال.
فيتحوّل الخلافُ من حكاياتٍ متناثرةٍ إلى بنيةٍ ظاهرةٍ قابلةٍ للفحص والنقض، ويصير سؤالُ «مَن قال، ومتى، وعمَّن أخذ» سؤالًا له جوابٌ مُسنَد: من السرد إلى الرصد، ومن الاستشهاد المنتقى إلى التوزيع الشامل.
وبهذا يفارق العملُ ضجيجَ الأدوات الآليّة التي تُنشئ نصًّا لا سندَ له؛ فالآلةُ هنا خادمةٌ للاسترجاع والتنظيم، والحكمُ موقوفٌ على الشاهد والمراجعة. وهو ما يجعل الأطلسَ أداةً علميّةً يُوثَق بها، لا واجهةً تُبهر ثمّ تُخذل عند التحقيق.
على المستوعب: ٦٧٩ مسألة، وأكثرُ من ثمانين فاعلًا بين شخصٍ ومذهبٍ وكتاب، وإحالاتٌ إلى المدوّنة.
١٣٧ كتابًا، ٨٧٦٤ مسألةً، ٢٦٤٤٦ موقفًا، و٧٥٠٦ عقدةً موضوعيّة. والتحكيمُ جارٍ.
إلى الفقه والفلسفة والمنطق وعلوم العربية، وإلى القرون كلِّها، مع الطبقة البصريّة وخرائطِ التسلسل التاريخيّ.